انفصال الشبكية وتمزقاتها

الومضات والعوائم (الذباب الطائر) أمام العين: متى تكون عادية، ومتى تحتاج فحصًا عاجلًا؟

المعلومات في هذا المقال مبنية على 11 مصدرًا علميًّا موثقًا مذكورة في نهايته، وهي للتثقيف الصحي ولا تغني عن الفحص الطبي.

محتويات المقال
  1. ما هي «العوائم» أصلًا؟
  2. انفصال الجسم الزجاجي: تغير طبيعي في أغلب الأحيان
  3. أين الخطر إذن؟
  4. ما العلامات التي ترفع الخطر؟
  5. ماذا يحدث في الفحص؟
  6. لماذا قد يطلب الطبيب فحصًا ثانيًا رغم أن الفحص الأول سليم؟
  7. هل تختفي العوائم؟
  8. هل يوجد علاج للعوائم المزعجة؟
  9. أسئلة يطرحها المرضى كثيرًا
  10. خلاصة

تستيقظ يومًا فتلاحظ خيطًا رفيعًا أو حلقة شفافة تتحرك أمام عينك كلما حرّكتها، أو نقطًا سوداء تشبه الذباب الصغير، وربما ومضة ضوء سريعة في طرف الرؤية عندما تلتفت في غرفة مظلمة. وأول ما يخطر على البال: «هل هذا خطير؟». في أغلب الحالات يكون السبب تغيرًا طبيعيًّا في العين يحدث مع التقدم في السن. لكن نسبة من هذه الحالات يصاحبها قطع في الشبكية، وهو ما يجعل الفحص في الوقت المناسب مهمًّا جدًّا. وفي هذا المقال نشرح الفرق.

ما هي «العوائم» أصلًا؟

يمتلئ تجويف العين من الداخل بمادة شفافة تشبه الهلام، نسميها الجسم الزجاجي. وتحتوي هذه المادة على ألياف بروتينية دقيقة. ومع الوقت تتجمع هذه الألياف في خيوط وكتل صغيرة، تُلقي ظلالًا على الشبكية، فنراها كخيوط أو نقط أو حلقات تتحرك مع حركة العين (Kokavec et al., 2017). هذه هي العوائم (Floaters)، أو ما يسميه الناس «الذباب الطائر».

وتظهر العوائم القديمة الثابتة لدى كثير من الناس، خاصة من لديهم قصر نظر، ويعتاد عليها أغلبهم مع الوقت. الذي يستحق الانتباه هو التغير المفاجئ.

انفصال الجسم الزجاجي: تغير طبيعي في أغلب الأحيان

مع التقدم في السن، يصبح الجسم الزجاجي أكثر سيولة، فينكمش ويبتعد عن سطح الشبكية الذي كان ملتصقًا به. هذا ما نسميه انفصال الجسم الزجاجي الخلفي (Posterior vitreous detachment). وهو تغير طبيعي يحدث لأغلب الناس في النهاية. ففي دراسة على عيون سليمة، كان موجودًا لدى حوالي 44% من الأشخاص في الستينيات من العمر، و74% في السبعينيات. ولدى أصحاب قصر النظر الشديد، كان يحدث مبكرًا بحوالي عشر سنوات (Akiba, 1993).

وعندما يحدث الانفصال فجأة، يلاحظ المريض عوائم جديدة، وأحيانًا ومضات ضوء. فالومضات تنتج عن شد الجسم الزجاجي على الشبكية أثناء انفصاله، فتفسر الشبكية هذا الشد كأنه ضوء.

أين الخطر إذن؟

الخطر أن الجسم الزجاجي قد يكون ملتصقًا بقوة في نقطة ما من الشبكية، فيشدها وهو ينفصل، فيُحدث فيها قطعًا. ومن خلال هذا القطع قد تتسرب السوائل خلف الشبكية، فيحدث انفصال الشبكية، وهو حالة تحتاج إلى علاج عاجل.

وتختلف نسبة القطع حسب المكان الذي يذهب إليه المريض:

  • في تحليل لعدة دراسات على مرضى توجهوا إلى أطباء العيون بسبب أعراض مفاجئة، وُجد قطع في الشبكية لدى حوالي 14% منهم (Hollands et al., 2009).
  • وفي عيادة شبكية متخصصة، وُجد قطع في الشبكية لدى حوالي 16% من العيون عند أول فحص (Uhr et al., 2020).
  • أما في دراسة أمريكية كبيرة في عيادات العيون العامة، فكانت النسبة أقل: حوالي 5% لديهم قطع، و4% لديهم انفصال في الشبكية (Seider et al., 2022).

أي أن أغلب حالات انفصال الجسم الزجاجي لا يصاحبها قطع، لكن النسبة ليست صغيرة بما يكفي لتجاهل الأعراض. ولا يمكن التمييز بين الحالتين من الأعراض وحدها، بل بالفحص.

ما العلامات التي ترفع الخطر؟

بعض العلامات تجعل احتمال القطع أعلى بوضوح:

  • ضعف النظر مع ظهور العوائم، وهو من أهم الأعراض المرتبطة بالقطع (Hollands et al., 2009; Seider et al., 2022).
  • عدد كبير من النقط فجأة، لأنه قد يعني نزيفًا بسيطًا داخل العين (Hollands et al., 2009).
  • نزيف أو صبغة في الجسم الزجاجي يراها الطبيب أثناء الفحص. فوجود الصبغة من أقوى المؤشرات على وجود قطع، ووجود النزيف يرفع الخطر بوضوح (Hollands et al., 2009; Seider et al., 2022).
  • الذكور، وصغار السن نسبيًّا (أقل من 60 عامًا)، ومن أجروا عملية مياه بيضاء أو تصحيح نظر بالليزر من قبل، كانوا أكثر عرضة في دراسة كبيرة (Seider et al., 2022).
  • ضعف أطراف الشبكية (Lattice)، أو حدوث قطع أو انفصال في العين الأخرى من قبل (Seider et al., 2022).

ماذا يحدث في الفحص؟

يُوسَّع إنسان العين بالقطرات، ثم يفحص الطبيب أطراف الشبكية كلها بدقة، لأن القطع تحدث غالبًا في الأطراف وليس في المركز. ويبحث أيضًا عن صبغة أو نزيف في الجسم الزجاجي، لأن وجودهما من أقوى المؤشرات على وجود قطع (Hollands et al., 2009).

وإذا كان النزيف كثيفًا لدرجة تحجب رؤية الشبكية، قد يُطلب الموجات فوق الصوتية على العين للتأكد من أن الشبكية في مكانها.

وإذا وُجد قطع؟ يُعالج غالبًا بالليزر أو التبريد حوله، لإحكام التصاق الشبكية ومنع تسرب السوائل خلفها (Kim et al., 2025). أما إذا كان الانفصال قد حدث بالفعل، فيحتاج إلى جراحة، وقد شرحنا خياراتها في مقال عملية انفصال الشبكية.

لماذا قد يطلب الطبيب فحصًا ثانيًا رغم أن الفحص الأول سليم؟

لأن القطع قد يحدث بعد الفحص الأول. ففي تحليل لعدة دراسات، ظهر قطع خلال 6 أسابيع لدى حوالي 3% من المرضى الذين كان فحصهم الأول سليمًا، وكان الخطر أعلى عند ظهور 10 نقط جديدة أو أكثر، أو ضعف في النظر خلال هذه الفترة (Hollands et al., 2009). وفي دراسة كبيرة في عيادة متخصصة، ظهرت قطع متأخرة لدى حوالي 2.6% من العيون، وظهر نحو نصفها بعد أكثر من 6 أسابيع (Uhr et al., 2020).

ويختلف هذا الخطر كثيرًا من مريض لآخر. ففي الدراسة الأمريكية الكبيرة، حدثت القطع أو الانفصال المتأخر لدى حوالي 12% ممن كان لديهم نزيف في الجسم الزجاجي، أو ضعف في أطراف الشبكية، أو قطع سابق في العين الأخرى، مقابل أقل من 1% ممن ليس لديهم أي من هذه العوامل (Seider et al., 2022). ولهذا يحدد الطبيب موعد الفحص الثاني حسب درجة الخطر لديك (Coffee et al., 2007). وتنص إرشادات الأكاديمية الأمريكية لطب العيون على أن من لديهم صبغة أو نزيف في الجسم الزجاجي يعودون لفحص ثانٍ خلال 6 أسابيع، أو فورًا إذا ظهرت أعراض جديدة (Kim et al., 2025).

والأهم من الموعد: إذا تغيرت الأعراض قبل موعد المتابعة، بزيادة النقط فجأة، أو ظهور ستارة، أو ضعف النظر، فلا تنتظر الموعد، واذهب في نفس اليوم.

هل تختفي العوائم؟

في أغلب الحالات تقل العوائم تدريجيًّا مع الوقت، أو يعتاد عليها المخ فلا يلاحظها المريض كثيرًا. لكن لدى بعض الناس تبقى مزعجة، وقد تؤثر فعلًا على جودة الحياة، خاصة لدى الأصغر سنًّا (Wagle et al., 2011).

هل يوجد علاج للعوائم المزعجة؟

العوائم وحدها لا تحتاج إلى علاج في الغالب. وعندما تكون مزعجة جدًّا ومستمرة، توجد خياران، لكل منهما حدوده:

  • الليزر (YAG) لتفتيت العوائم: في تجربة صغيرة على نوع محدد من العوائم (الحلقة الكبيرة التي تتكون بعد انفصال الجسم الزجاجي)، تحسنت الأعراض بوضوح لدى حوالي نصف من عولجوا بالليزر، مقارنة بلا أحد تقريبًا في المجموعة التي تلقت علاجًا وهميًّا. لكن الباحثين أكدوا الحاجة إلى دراسات أكبر وأطول (Shah and Heier, 2017). ولا يناسب هذا الليزر كل أنواع العوائم ولا كل أماكنها في العين.
  • عملية سحب الجسم الزجاجي: تزيل العوائم فعلًا. وفي دراسة على هذه العملية، تحسنت حدة النظر وجودة الرؤية في المتوسط بعدها (Sebag et al., 2018). لكنها جراحة لها مخاطرها. ففي إحدى الدراسات، حدث انفصال في الشبكية بعد حوالي 2.5% من العمليات، وظهرت المياه البيضاء لدى نصف من كانت عدستهم طبيعية (Tan et al., 2011). ولذلك لا تُجرى إلا لمن تؤثر العوائم على حياته بشكل واضح، بعد شرح مخاطرها بالتفصيل. وسنشرح هذه العملية في مقال عملية سحب الجسم الزجاجي.

ولا توجد حتى الآن تجارب علمية تقارن الليزر بالجراحة مباشرة لعلاج العوائم (Kokavec et al., 2017).

أسئلة يطرحها المرضى كثيرًا

عندي عوائم منذ سنوات، فهل أحتاج إلى فحص عاجل؟

العوائم القديمة الثابتة التي لم تتغير لا تحتاج عادة إلى فحص عاجل، لكن يُفضّل فحصها مرة إن لم تُفحص من قبل. ما يستدعي الفحص في نفس اليوم هو الجديد المفاجئ، أو تغير شكل الأعراض (Hollands et al., 2009).

الومضات توقفت، فهل انتهت المشكلة؟

توقف الومضات أمر مطمئن، لكنه لا يعني أن الشبكية سليمة بالضرورة. فالفحص هو ما يكشف علامات الخطر، ولا تكفي الأعراض وحدها لاستبعاد القطع (Hollands et al., 2009).

هل سيحدث نفس الشيء في العين الأخرى؟

انفصال الجسم الزجاجي يحدث غالبًا في العينين مع الوقت، وإن لم يكن في نفس التوقيت (Akiba, 1993). لذلك تنطبق نفس علامات الخطر على العين الأخرى.

خلاصة

ظهور الومضات والعوائم فجأة سببه في أغلب الحالات تغير طبيعي في الجسم الزجاجي يحدث مع العمر. لكن نسبة من المرضى يصاحبهم قطع في الشبكية لا يمكن اكتشافه إلا بالفحص، وعلاجه مبكرًا بالليزر قد يمنع انفصال الشبكية. لذلك القاعدة بسيطة: الأعراض الجديدة المفاجئة تستحق فحصًا في نفس اليوم، وأي تغير في الأعراض بعد الفحص يستحق فحصًا جديدًا دون انتظار الموعد.

هذه المعلومات للتثقيف الصحي ولا تغني عن الفحص الطبي.

المراجع العلمية (References)

  • Akiba, J. (1993) 'Prevalence of posterior vitreous detachment in high myopia', Ophthalmology, 100(9), pp. 1384–1388. doi: 10.1016/s0161-6420(93)31471-5. PubMed
  • Coffee, R.E., Westfall, A.C., Davis, G.H., Mieler, W.F. and Holz, E.R. (2007) 'Symptomatic posterior vitreous detachment and the incidence of delayed retinal breaks: case series and meta-analysis', American Journal of Ophthalmology, 144(3), pp. 409–413. doi: 10.1016/j.ajo.2007.05.002. PubMed
  • Hollands, H., Johnson, D., Brox, A.C., Almeida, D., Simel, D.L. and Sharma, S. (2009) 'Acute-onset floaters and flashes: is this patient at risk for retinal detachment?', JAMA, 302(20), pp. 2243–2249. doi: 10.1001/jama.2009.1714. PubMed
  • Kim, S.J., Bailey, S.T., Kovach, J.L., Lim, J.I., Vemulakonda, G.A., Ying, G.S. et al. (2025) 'Posterior Vitreous Detachment, Retinal Breaks, and Lattice Degeneration Preferred Practice Pattern®', Ophthalmology, 132(4), pp. P163–P196. doi: 10.1016/j.ophtha.2024.12.023. PubMed
  • Kokavec, J., Wu, Z., Sherwin, J.C., Ang, A.J. and Ang, G.S. (2017) 'Nd:YAG laser vitreolysis versus pars plana vitrectomy for vitreous floaters', Cochrane Database of Systematic Reviews, 2017(6), CD011676. doi: 10.1002/14651858.CD011676.pub2. PubMed
  • Sebag, J., Yee, K.M.P., Nguyen, J.H. and Nguyen-Cuu, J. (2018) 'Long-Term Safety and Efficacy of Limited Vitrectomy for Vision Degrading Vitreopathy Resulting from Vitreous Floaters', Ophthalmol Retina, 2(9), pp. 881–887. doi: 10.1016/j.oret.2018.03.011. PubMed
  • Seider, M.I., Conell, C. and Melles, R.B. (2022) 'Complications of Acute Posterior Vitreous Detachment', Ophthalmology, 129(1), pp. 67–72. doi: 10.1016/j.ophtha.2021.07.020. PubMed
  • Shah, C.P. and Heier, J.S. (2017) 'YAG Laser Vitreolysis vs Sham YAG Vitreolysis for Symptomatic Vitreous Floaters: A Randomized Clinical Trial', JAMA Ophthalmology, 135(9), pp. 918–923. doi: 10.1001/jamaophthalmol.2017.2388. PubMed
  • Tan, H.S., Mura, M., Lesnik Oberstein, S.Y. and Bijl, H.M. (2011) 'Safety of vitrectomy for floaters', American Journal of Ophthalmology, 151(6), pp. 995–998. doi: 10.1016/j.ajo.2011.01.005. PubMed
  • Uhr, J.H., Obeid, A., Wibbelsman, T.D., Wu, C.M., Levin, H.J., Garrigan, H. et al. (2020) 'Delayed Retinal Breaks and Detachments after Acute Posterior Vitreous Detachment', Ophthalmology, 127(4), pp. 516–522. doi: 10.1016/j.ophtha.2019.10.020. PubMed
  • Wagle, A.M., Lim, W.Y., Yap, T.P., Neelam, K. and Au Eong, K.G. (2011) 'Utility values associated with vitreous floaters', American Journal of Ophthalmology, 152(1), 60-65.e1. doi: 10.1016/j.ajo.2011.01.026. PubMed